ابن أبي مخرمة
537
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
الشريف بركات الطريق لقاصد القاضي ، فظفروا به وفتشوه ، فوجدوا معه الورقة ، فأتوا به وبالورقة إلى الشريف بركات وهو بمكة ، فلما وقف على خط القاضي . . تحقق أن القاضي ساع في هلاكه ، ولم يعلم القاضي بذلك . ويقال : إن الورقة مكيدة زورت على خط القاضي توصلا إلى هلاكه ، واللّه أعلم بحقيقة الأمر . فلما فرغ القاضي من التدريس بالحرم بعد طلوع الشمس ، وطاف بالبيت سبوعا على جاري عادته . . أتاه رسول الشريف يستدعيه ، فخرج من الحرم إلى دار الشريف قبل أن يصل إلى بيته ، فدخل وأراد الجلوس بقرب الشريف على جاري عادته ، فأخرج عن ذلك المجلس ، ورمى إليه الشريف بالورقة وقال له : كنا نسمع ولم نصدق حتى شاهدنا خطك ، فيقال : إنه أنكر أن يكون ذلك خطه ، وأراد تقطيعها ، فاجتذبها الشريف منه ، فأراد اجتذابها من يد الشريف على ما يألفه من الانبساط والاستدلال ، فلطمه الشريف قايتباي لطمة فاحشة حتى أسقط عمامته من رأسه ، وأراد هسفه وضربه ، فمنعه الشريف بركات من ذلك ، ثم أمر به ، فنقل إلى مجلس آخر ، وجعل عليه الترسيم ، وأرسل في الحال من احتاط على بيوته ، وأخرج أولاد القاضي وحرمه من البيت مجردين ليس معهم سوى ثياب أبدانهم ، وسمر على بيوت القاضي وأملاكه وحواصله جميعها ، ثم جمع الفقهاء وأعيان البلاد وأوقفهم على الورقة ، فقرروا أنها خط القاضي ، فكتب محضرا بما اتفق من القاضي ، وأخذ عليه خطوط الحاضرين من الفقهاء والأعيان والأمراء ، فكتب كل منهم على قدر ما في نفسه من الضغن والإحن على القاضي ، ثم أخذ في مصادرة القاضي وتعذيبه بأنواع العذاب من العصاريات وغيرها ، ورسّم على كبار عياله كالقاضي صلاح الدين وغيره ، ولم يزل يستجر منه المال ، ثم سعي بين الشريف والقاضي على أن يبذل القاضي مبلغا جزيلا من المال ، وعلى أن يخرج ولده القاضي صلاح الدين ، فيبيع أملاك القاضي في تحصيل المبلغ المذكور ، فأطلق القاضي صلاح الدين ، فباع كتب والده وملابسه وذخائره ومصاغه وأثاثه وشيئا من عقاره بأبخس ثمن ، ورهن بعض العقار حتى سلم المبلغ المشروط ، ثم إن الشريف أرسل بالقاضي إلى جدّة في الترسيم ، وأركب في البحر من جدة إلى جزيرة القنفدة قرب حلى ، ثم أتبعه بعياله إلى الجزيرة ، فتم بالجزيرة هو وعياله وعليهم الترسيم ، فلما قرب الركب المصري من وصول مكة ، وعلم الشريف أنهم ساعون في خلاص القاضي . . أرسل بريدا إلى ابن ركوب أمير القنفدة بأن يغرّق القاضي حال أن يصله كتابه ، فأركبه في